ابن الجوزي
121
صفة الصفوة
فراشة وسرّح لحيته وتمكن في الجلوس بوقار وهيبة ثم حدّث . فقيل له في ذلك ، فقال : أحبّ أن أعظّم حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولا أحدّث به إلا على طهارة متمكنا . وكان يكره أن يحدّث في الطريق وهو قائم أو مستعجل . فقال : أحب أن يفهم ما أحدّث به عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . قال إبراهيم بن المنذر : سمعت معن بن عيسى يقول : كان مالك بن أنس إذا أراد أن يحدّث بحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم اغتسل وتبخّر وتطيّب ، وإذا رفع أحد صوته عنده قال : اغضض من صوتك فإن اللّه عزّ وجل يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [ سورة الحجرات آية : 2 ] فمن رفع صوته عند حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وعن عبد اللّه بن وهب قال : سمعت مالك بن أنس يقول : ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه اللّه في القلب . وعنه : قيل لمالك بن أنس : ما تقول في طلب العلم ؟ قال : حسن جميل ، ولكن انظر إلى الذي يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه . وعن ابن مهدي قال : سأل رجل مالكا عن مسألة فقال : لا أحسنها . فقال الرجل : إني ضربت إليك من كذا وكذا لأسألك عنها . فقال له مالك : فإذا رجعت إلى مكانك وموضعك فأخبرهم أني قلت لك لا أحسنها . وعن حنبل بن إسحاق قال : سألت أبا عبد اللّه عن مالك فقال : مالك سيّد من سادات أهل العلم ، وهو إمام في العلم والفقه . ثم قال : ومن مثل مالك متّبع لآثار من تقدم مع عقل وأدب ؟ مسانيد مالك أشهر من أن تذكر وهو النجم الثاقب في أهل النقل . وعن ابن أبي أويس قال : اشتكى مالك بن أنس أياما يسيرة ، فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت فقال : تشهّد ، ثم قال : للّه الأمر من قبل ومن بعد . وتوفي صبيحة أربع عشرة من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة في خلافة هارون ودفن بالبقيع وهو ابن خمس وثمانين سنة . فذكرت ذلك لمصعب الزبيري فقال : مات في صفر . رحمه اللّه .